Skip to content
2011/04/04 / إسماعيل

المدينة الجزائرية بين الوظيفية والجمالية السياحية

وهران.. مدينة جميلة إذا كان العمران في حد ذاته يطبق القواعد التقليدية والمعروفة، فإنه يصبح منتوجا سياحيا، لهذا فإن العمران القديم أصبح اليوم أماكن سياحية، ولعل السبب في كون البناءات والآثار أصبحت منتوجا سياحيا هو الإنسان المستعمل الذي كان يبني منزله أو مدينته بحسب احتياجاته ونمط حياته، لهذا فإنه حتى البناءات البسيطة كانت ولا تزال حية.. ولأن السياحة عبارة عن ثقافة قبل كل شيء، فإنها تعتمد كثيرا على الاهتمام بتميز العمران وخصوصيته.

وتوجد أمثلة عديدة تبرز دور الإنسان في خلق مناطق جذب سياحية من خلال العمران، كبرج أيفل بباريس وجوامع إسطنبول وقصر الحمراء بغرناطة والأهرامات بمصر وأوبرا سدني باستراليا وقبة الألفية ببريطانيا والكثير من الإرث المعماري العالمي الذي خلق مناطق جذب تؤكد دور العمران في تنمية السياحة.

وفي الجزائر أيضا، الآثار الرومانية والقصبات والقصور والأبنية الكولونيالية وغيرها من المعالم العمرانية التاريخية، كلها أصبحت اليوم معالم سياحية بقدر كبير، فالعاصمة التي تحتوي عمرانا مختلفا، من آثار رومانية ويونانية وقصبة عربية إسلامية وشوارع كولونيالية أصبحت تمثل مدينة جميلة كأغلب المدن الأخرى في الشمال، ومدن الجنوب التي تتميز بواقع آخر من العمران الصحراوي، وبقدر ما كانت المدن آنذاك تلبي حاجيات السكان وتحاكي واقع معيشتهم فإنها اليوم أصبحت معلما سياحيا وثقافيا يحكي تلك الحقب.

المدن الجزائرية الحديثة

أما حديثا فقد أصبح النمو التوسعي لتلك المدن يجعل منها تفقد تلك الروح الحية التي كانت تملؤها، حسب السيد سلواني محمد مهندس في مديرية السياحة، والذي أضاف أنه في ظل ما تشهده الجزائر من ازدياد في عدد السكان والنمو الديمغرافي المتزايد، فإن التوسعات التي تحدث في مدننا أصبحت تتميز في تخطيطها بمشاكل في عدم مراعاة جوانب النوعية والعلاقات الإنسانية في العمران وفي تسيير المدينة.

ولكن في مقابل إتباع النمط الجديد الذي يراعي التكنولوجيات الجديدة، هناك جهود للمحافظة على الطابع الموجود في المدن الجزائرية حيث يقول محمد سلواني “في تخطيط المشاريع الجديدة سواء داخل المدن أو التوسع نحاول المحافظة على طابع المدينة بحسب إذا كانت ذات نمط تركي، كولونيالي، صحراوي، أندلسي ، حيث أن الحقب التاريخية المختلفة المتعاقبة على الجزائر أثرت في مدنها فأصبح لكل مدينة طابع عمراني معين اتبعت فيه نمط معيشة السكان الذين أنشئوها..”

ويرى السيد سلواني محمد أن المدن الجديدة هي مدن جزائرية بحتة، عمرانها متميز، وتظهر الإشكالية في وقوع المدينة الجزائرية ما بين الحداثة والأصالة وهي الإشكالية التي يجب أخذها بعين الاعتبار في الدراسات.. ونستطيع في العمران الجديد أن نوفق بين المحافظة على الأصالة والحداثة باستعمال وسائل ومواد حديثة وبإتباع القواعد الحديثة في تخطيط المدن مع المحافظة على الطابع والنمط الموجود.

ويظل المشكل مطروحا من جانب آخر حول عدم وجود تنسيق ما بين المشاريع المختلفة في المدينة الجزائرية الحالية، وهو ما يجعل التخطيط يكاد يكون عشوائيا، فنحن نبني بحسب الاحتياجات الآنية فقط، هنا مدرسة هناك مسجد، هناك سوق، هناك وهناك… ، حيث يقول إطار مديرية السياحة أنه إذا كان التنسيق بين الوظائف الإدارية والاجتماعية المختلفة ستكون النتيجة العامة تستجيب للمتطلبات، مبرزا دور العمران الإسلامي كمثال حي “في الوسط ساحة والسوق ثم دارة المسجد ودار السلطان والقضاء ثم دائرة البنايات السكانية التي تتوسع إلى الخلف إلى غاية سور المدينة، نفس الشيء عند الرومان..”

وعن الحلول التي تجعل المدن أكثر وظيفية يقول المهندس المعماري محمد سلواني أنه ينبغي مشاركة المستعمل الذي سيستفيد من تلك المشاريع، ويجب وضع متطلبات مختلف الشرائح في حساب تهيئة الإقليم، وحسب رأيه فإنه يجب العودة إلى دراسة النمط العمراني الإسلامي والنمط الكولونيالي لما لهم من وظيفية وجمالية.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار المعايير التي يجب أن تتوفر في تخطيط المدن وعمرانها، فإنه لا بد من وجود دراسات بيئية واجتماعية واقتصادية قبل المعايير التقنية، أي دراسات الاحتياجات والعلاقات الإنسانية لأن المدينة سيسكنها أناس لهم رغبات واحتياجات، كما يجب معرفة النمط المعيشي لهم، من بعد ذلك نصل إلى الدراسات التقنية البناء والهندسة المعمارية التقنية،مع مراعاة الوظيفة.

فالمدينة بحسب تعريف راتزال Retzel  هي “بمثابة نتاج أو محصلة ذات تفاعل إيكولوجي صادر عن فعل الإنسان وأثره العمراني في البيئة الطبيعية وتغيرها الدائم والدائب لأنماط حياته”، ويجب أن تكون المدينة فضاء حيا، فيعتبرها الساكن جزءا منه لأنها تلبي احتياجاته، وأن يكون لديها طابع ذلك الموقع، ومهما كان الأسلوب المتبع، فإن إتباع المعايير يعد مفتاحا للنجاح في تخطيط المدن.

ويظهر دور المعماريين جليا في بث الروح في العمران من خلال الدمج بين خلاصات دراسة الموقع وبرنامج المشروع ثم تأتي إرادة المهندس وبصمته الخاصة، فهناك من هو متأثر بالوظيفية أو الرمزية أو الطابع والشكل وغيرها.. ويقول محمد سلواني أنه يجب على المعماري أن يؤمن بنمط الموقع قبل كل شيء فهو الذي يحدد طبيعة المشاريع حتى تصبح للمدينة أو الحي أو المشروع بطاقة هوية.

إن اختلاف نشأة المدن الجزائرية وتطورها التاريخي وتباين مواقعها الجغرافية والمناخية جعل منها اليوم تحتاج إلى دراسات واستقراءات معمقة للوقوف عن كثب ومعرفة الإمكانات الحقيقية والكامنة لكل منطقة بهدف إضفاء لمسات تطويرية وظيفية وجمالية في الخطط التوسيعية لها.

ولعل إدراك دور العمران في خلق سياحية ناجحة بشتى مجالاتها يؤكد تلك المهمة الكبيرة التي تقع على عاتق المعماريين وأصحاب المشاريع لما لهم من دور مباشر في خلق بيئة عمرانية ذات أبعاد إبداعية وسياحية، من حيث جمال المنظر ومتعة الإقامة وتحقق الوظائف في تلك البيئة مهما كانت الأهداف السياحية.

إسماعيل قاسمي/لمجلة السياحية

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: